الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
112
مرآة الحقائق
بذله ، وإنفاقه انقطاع عن العلاقة العائقة عن الحق تعالى ، ولمّا كان الاعتدال مما يغتبط به عند أهل اللّه تعالى أشار إليه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « أجوع يوما وأشبع يوما » « 1 » . فالجوع يومين تفريط ، والشبع يومين إفراط ، والميزان الاعتدال ؛ وهو مساواة الكتفين ؛ ولذا كان أكثر أهل اللّه يفطرون كل ليلة لكن على الاعتدال ، ولا يعملون بالوصال إلا أن يقتضيه الحال . ثم إن البذل وإن كان له متعلّقات كثيرة شرعية فرضا ونفلا ؛ لكن لمّا كان النكاح أفضل النوافل عند الإمام أبي حنيفة رحمه اللّه ، وكذا عند أهل اللّه ؛ كان بذل المال له أحبّ وأولى ، وإنما احتاج النكاح إلى البذل ؛ لبيان الحرمة ، وصيانة المرأة عن الابتذال ؛ لأنها مطلوبة ، والمطلوب مطلقا احترام لا يتحقق إلا بالبذل غالبا ، فكان أشرف من المال حتى بذل له . ولمّا كانت المرأة إشارة إلى سرّه المكنون ، وكان حصوله مما يتوقّف على بذل الوجود ، وما يتعلّق به الذي يميل إليه الإنسان ، ويبخل في بذله ؛ فرض اللّه على طالب الحق أن يطلب ذلك السرّ المصون ببذل الوجود الذي كان يميل إليه ، وهو له علاقة قوية ، وحجاب كثيف ؛ ولذا قال من قال من الأكابر : كل من خاف على هيكله ؛ لم ير اللّه جهارا علنا « 2 » .
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 7 / 310 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 133 ) . ( 2 ) فائدة جليلة : قال العلواني : فصل في روح وصل في أرواح النكاح فإن روح الإرشاد يدخل في كل روح دل لذلك الأرواح الفرقانية ففي روح الإباحة فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ النساء : 3 ] والأرواح على أقسام فأرواح الصالحين الكمل على أرواح النكاح ولهم من ذلك الذرية الطيبة وهي مطلوب أرواح النبوة لما تحرك في أرواحهم من أرواح الذرات المخزونة بروح الأمر إلى أرواح الأجل فإذا جاءت أرواح الآجال جرت أرواح الأسباب وتواصل الأرواح بأرواح المحبة والمودة حتى يكون وروح العقد فيجري أمر النكاح . وفي الأرواح المحمدية « لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل » ليقع روح الفصل بين النكاح وبين السفاح فالسفاح ما كان بلا ولي ولا شاهدي عدل فالشهادة إنما شرعت للوثوق والروح الفاسق لا وثوق بروح شهادته فلهذا الروح قال : الروح المحمدي « لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل » وفي روح الشاهد حفظ روح النسب فالشاهد على روح النكاح شاهد ينسب من ولد على فراش الرجل -